ابن سبعين
221
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
علمها إلا وهي موجودة في علم الحق تعالى . ثم قال : أما علمه صلّى اللّه عليه وسلّم بربه فإنه علم علم الأولين قبله : أي قبل اتصال روحه بجسمه الشريفين صلّى اللّه عليه وسلّم ، والآخرين بعده من كل ما خلق اللّه تعالى ، كما أخبر بذلك عن نفسه في حديث الضربة ، وأما علمه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعالم ، وهو كل ما سوى الحق تعالى ، فالعالم على ضربين : ضرب وجدت أجناسه وأنواعه وبعض أشخاصه وأفراده ولأفراده نهاية ، كالنوع الإنساني مثلا ، فهذا الضرب يعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم تفصيلا ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم علم جميع الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم كلياتها وجزئياتها ، وما من حقيقة كونية إلا وهي مرتبطة بحقيقة جزئية الإلهية ، ومستندة إليها ، لا بدّ من ذلك ، وقد علم صلّى اللّه عليه وسلّم الأسماء فأحرى آثارها ، فإن آدم عليه السّلام الذي هو قطرة من بحره ، وجزء من كله ، علمه اللّه الأسماء كلها ، فكيف به صلّى اللّه عليه وسلّم ، والضرب الآخر من العالم ، وجدت أجناسه وأنواعه وبعض أشخاصه ، ولا نهاية لأفراده وأشخاصه ، فهذا الضرب الذي لا تتناهى أفراده أبد الآبدين ودهر الداهرين ، يعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم غير متناه ، فإنه أخبر أنه أوتي جوامع الكلم ، وكلمات اللّه لا تنفد ، بمعنى مقدوراته ومراداته ، فقد أعطي صلّى اللّه عليه وسلّم ما لا يتناهى إجمالا ، كما أعطى علم ما يتناهى تفصيلا خصوصية له صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه ما أعطي مخلوق علم جميع العالم أجناسه وأنواعه وأشخاصه ما يتناهى منه وما لا يتناهى غيره صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : فأحاط صلّى اللّه عليه وسلّم علما بحقائق المعلومات المتناهية وغير المتناهية ، وعلم أجناسها وأنواعها على التفصيل وبعض شخصياتها وجزئياتها كذلك ، وعلم ما لا يتناهى من الأفراد والجزئيات على الإجمال ، وهذه صفة إلهية لم تكن لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم . النور الثاني والعشرون وهو النور الذي سميته نور المقايسة : فهو كشف له أنه إذا جمع في الذهن جميع الأنبياء والرسل في تقديره لفضلهم ودليله أنه أعلم الخلق باللّه ، والدرجة التي هناك لا تقاس بما بعدها ، وإن تعددت فإن المجموع لا يقوم منه ما يساوي ، فإن الذوات لا تتحد - فاعلم . وأيضا إذا قلنا أنه أفضل من إبراهيم فالمرتبة أو الدرجة التي يفضله بها أي شيء يقاس بها لا بدّ لها من تنظير تنظر معها .